الرجوع الى الحق خير من التمادي في الباطل
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وأصحابه.
أما بعد:
فهذا مقال ماتع لفضيلة الشيخ ابو عبد الاعلى خالد بن محمد بن عثمان حفظه الله تعالى يقول فيه:
"فإن وقوع أحد أهل العلم في زلل أو خطأ لازم من لوازم البشرية؛ حيث إن العصمة لم تكتب لأحد من البشر إلا الأنبياء عليهم السلام، لذا فإن مجرد صدور الخطأ من العالم أمر لا ينقص من قدره، لكن الذي يشين العالم ويحط من قدره أنه إذا وقع في باطل ثم ظهر له الحق، أن يتمادى في هذا الباطل ويصر عليه ويأبى الرجوع إلى الحق.
وثَمَّ مثال رائع لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في هذا الشأن، حيث قال –رحمه الله- كما في المسائل الماردينية (ص103-ط. ابن تيمية-بتحقيقي) في تحقيقه لحكم السمن الذي وقعت فيه فأرة: "فإن قيل: فقد روي في الحديث: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها كُلوا سمنكم، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، رواه أبو داود وغيره.
قيل: هذه الزيادة التي اعتمد عليها من فرَّق بين الجامد والمائع، واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم، وقد ضعَّف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري وصحَّح هذه الزيادة، لكن قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولاً؛ فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل".اهـ
وقال السيوطي في الْمُزهر في علوم اللُّغة (2/320): "وإذا اتفق له –أي العالم- خطأ في شيء ثم بان له الصواب فليرجع، ولا يُصر على غلطه".اهـ
ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في نبذ الباطل والرجوع إلى الحق، وهاك بعض الأمثلة التي تبين هذا النهج السوي:
المثال الأول: قال البخاري في صحيحه (6736): حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت؟ فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني؛ فسئل ابن مسعود وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت؛ فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم.
والشاهد هو رجوع أبي موسى عن فتواه لما تبين له أن الدليل مع ابن مسعود رضي الله عنهما.
المثال الثاني: قال أحمد في مسنده (1/217) ثنا مروان بن شجاع حدثني خصيف عن مجاهد عن بن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقت.
وأخرجه أحمد أيضًا في (1/322)، والترمذي (858) من طريق عبد الرزاق عن معمر والثوري عن ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس بنحوه، وعلّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب الحج (باب: من لا يستلم إلا الركنيين اليمانيين)، وانظر تغليق التعليق (3/72،71).
المثال الثالث: قال مسلم في صحيحه (1547) حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يُكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافة معاوية(1) حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أنَّ رافع بن خَديج يحدِّث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعد، وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خَديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها.
وقال أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا حسين يعني ابن حسن بن يسار حدثنا ابن عون عن نافع: أن ابن عمر كان يَأجُرُ الأرض قال: فنبئ حديثًا عن رافع بن خديج، قال: فانطلق بي معه إليه قال فذكر عن بعض عمومته ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن كراء الأرض، قال: فتركه ابن عمر فلم يَأجُرْه.
المثال الرابع: قال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة نُعَيْم بن حماد: "وروى الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيم اليونارتي بإسناده عن عباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول:
حضرنا نُعَيْم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابًا من تصنيفه قال فقرأ ساعة ثم قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون بأحاديث، قال يحيى: فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك فغضب وقال ترد علي، قال: قلت إي والله أرد عليك أريد زينك، فأبى أن يرجع، فلما رأيته هكذا لا يرجع قلت: لا والله ما سمعت أنت هذا من ابن المبارك قط ولا سمعها ابن المبارك من ابن عون قط، فغضب وغضب من كان عنده من أصحاب الحديث، وقام نُعَيْم فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس أمير المؤمنين في الحديث نعم يا أبا زكريا غلطت وكانت صحائف فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك.
قال الحافظ أبو نصر: ومما يدل على ديانة نُعَيْم وأمانته رجوعه إلى الحق لما نبه على سهوه وأوقف على غلطه، فلم يستنكف عن قبول الصواب إذ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والمتمادي في الباطل لم يزدد من الصواب إلا بعدًا.اهـ
المثال الخامس: قال الحافظ في الفتح (12/262): "وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر: إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها المسلم يقتل بالكافر، قال: فاشهد على أني رجعت عن هذا".
المثال السادس: قال الذهبي في السير (18/474): " وحكى الفقيه أبو عبدالله الحسن بن العباس الرستمي قال حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور".
المثال السابع: قال الحافظ في التهذيب (4/121) في ترجمة سلمان الفارسي: " وقد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه –أي سلمان- قارب الثلاثمائة أو زاد عليها وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك العلم عند الله".
المثال الثامن: قال ابن حزم في المحلى (6/74): "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير ابن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحاق أو جريرًا خلط إسناد الحارث بإرسال عاصم هو: الظن الباطل الذي لا يجوز".
وعلَّق العلامة أحمد شاكر –رحمه الله- في الحاشية قائلاً: "لله در أبي محمد بن حزم رأى خطأه فسارع إلى تداركه وحكم بأنه الظن الباطل الذي لا يجوز وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق وهم الهداة القادة، وقليل ما هم؛ رحمهم الله جميعًا".اهـ
المثال التاسع: قال البغوي في حديث ابن الجعد (357): حدثني ابن زنجويه نا عبد الرزاق عن معمر قال قلت: لحماد كنت رأسًا وكنت إمامًا في أصحابك فخالفتهم فصرت تابعًا، قال: إني أن أكون تابعًا في الحق خير من أن أكون رأسًا في الباطل.
وهذا إسناد حسن، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (10/308) من طريق ابن زنجويه به، وأخرجه بنحوه العقيلي في الضعفاء (1/305، 306).
قلت: وحماد هو ابن أبي سليمان: تابَع المرجئة، وظن أن هذا هو الحق، فرضي أن يكون ذنبًا فيه خير من أن يكون رأسًا في غيره.
المثال العاشر: تراجع أبي الحسن الأشعري –رحمه الله- عن مذهب المعتزلة.
المثال الحادي عشر: تراجعات الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهي معروفة مشهورة.
المثال الثاني عشر: وهذا العلامة ابن عثيمين –رحمه الله- يضرب لنا مثالاً فريدًا في الرجوع إلى الحق في مسألة من أدق مسائل الاعتقاد، وهي مسألة إثبات معية الله لخلقه مع إثبات علوه سبحانه على العرش، فيقول الشيخ حمود التويجري –رحمه الله- في مقدِّمة كتابه "إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية":
"فقد رأيت مقالاً لبعض المعاصرين –يشير إلى العلامة ابن عثيمين- زعم في أوله أن معية الله لخلقه معية ذاتية تليق بجلاله وعظمته وأنها لا تقتضي اختلاطًا بالخلق ولا حلولاً في أماكنهم، وقال في آخر مقاله:
وهكذا نقول في المعية، نثبت المعية لربنا معية ذاتية تليق بعظمته وجلاله ولا تشبه معية المخلوق للمخلوقين وتثبت مع ذلك علوه على خلقه واستوائه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، ونرى أن من زعم أن الله تعالى بذاته في كل مكان، فهو كافر أو ضال إن اعتقده وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها؛ فعقيدتنا أن لله تعالى معية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالاًّ في أمكنتهم بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله وإن ذلك لا ينافي معيته ثم صرح أنه قال ذلك مُقررًا له ومعتقدًا له، مُنشرحًا له صدره.
وأقول: لا يخفى على من له علم وفهم ما في كلام الكاتب من التناقض والجمع بين النقيضين، وموافقته من يقول من الحلولية إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان، وما فيه أيضًا من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أئمتها.
فأما التناقض ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع زعمه أن هذه المعية الذاتية لا تقتضي الاختلاط بخلقه، ولا الحلول في أمكنتهم، ولا يخفى على عاقل أن المعية الذاتية للخلق تستلزم مخالطتهم، والحلول في أمكنتهم فقد تناقض شاء أم أبى.
وأما الجمع بين النَّقيضين ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع تقريره أن الله مستو على عرشه، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها فقد جمع في هذا التقرير بين إثبات صفة العلو لله تعالى وإثبات ضدها وهي صفة السّفل الذي تستلزمه المعية الذاتية للخلق، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتية للخلق وأثبت مع ذلك أن علو الرب من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها فقد جمع بين النَّقيضين شاء أم أبى.
وأما الموافقة لبعض القائلين بالحلول فإنه لازم لمن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية لأنه يلزم على هذا القول الباطل أن يكون الله مع الخلق في الأرض، وأن يكون مخالطًا لهم وحالاًّ معهم في أماكنهم…….".
وفي نهاية الكتاب أردف الشيخ حمود التويجري تراجع العلامة ابن عثيمين –رحمه الله-، فقال كما في ص156:
"فقد طلب الشيخ محمد الصالح العثيمين من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن يبعث إليه بكتابي في الرد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، فبعث إليه وبعد قراءته له كتب الكلمة التي سيأتي ذكرها، وطلب أن تنشر مع كتابي، وحيث إن فيها ردًّا على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية فقد أجبت الشيخ محمد إلى طلبه، والله المسئول أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى".
وهاك نص رسالة الشيخ ابن عيثمين كما في ص157:
"وبعد، فقد قرأت الكتاب الذي ألَّفه أخونا الفاضل الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في إثبات علو الله تعالى ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله تعالى لخلقه معية ذاتية، فوجدته كتابًا قيِّمًا قرَّر فيه مؤلِّفه الحقائق التالية…….." –إلى أن قال-: "وبطلان القول بالحلول معلوم






















